إذا وقفتَ يوماً على سفحِ الشّامخِ قاسيون، ونظرت في الأفق..
ستشعرُ حتماً أنك تحتضن العالم بين ذراعيك، وما العالم إلا في دمشق الشآم تتبدى لك بحسنها الآسر، وجمالها العريق السّاحر، بتاريخها ونضرتها، بحضارتها وتُراثها وفكرها، بالأمويّ يتربع بهيبته في قلبها، وبالبيوت الدافئة تتكاتف في كلّ حارة لتُعلن وحدة قلوبٍ لا تُفرّقها الأيّام .
بالميادين الفسيحة تصوغ حكاية أمة ذات إباء، وبالساحات الواسعة اتسـاع رقعة العلم والحضارة إذ تفجّرت ينابيعها على أرضها وامتدّت شرقاً وغرباً، فتركت في الأندلس قصوراً ومساجد باهرة الجمال، وتركت في الهند تراث مجد يتوارثه العلماء ..
كلّ ذلك ستحمله إليك نظرة إلى دمشق، وما جمالُ الدنيا إلا أنتِ يا درّة الأرض وياسمينة الشّرق ..
أميرةٌ بين المُدن.. تتربّعين على عرش الأصالة منذُ عصور طويلة، حتى كللتكِ القلوب بأطواق الحب والحبر، فكتبت عنك أمجاداً لا تُمحى، وصاغت حُلّتك بخفقات الود، فكنتِ أنتِ لا غيركِ يا دمشق متفرّدة بآيات الحُسن والهيبة والجمال بين مدائن الأرض.
تاريخ دمشق
لدمشق تاريخ حافلٌ بالمجد، تشهد له كُتب التاريخ وصفحاته التي لا تنفكّ تحتفي بمدينتها المدللة..
وكلّنا يُدرك أن التاريخ لا يتّفقُ مع طباع البشر في تدليل الأصغر من بناته، فهو يعطي المكانة للأعرق والأقفدم .. وقد حازت دمشق هذا الشّرف إذ كانت العاصمة الأقدم بين عواصم العالم . العاصمةُ التي درج عليها الإنسانُ القديم في العصور الحجريّة، فترك آثاراً واضحة في كهوفٍ اتخذها بيوتاً له، وفي آثار أخبرتنا بوضوح عنه.
احتوته المدينة الطيّبة بقلبها، وسارت معه جنباً إلى جنب في موكب الحضارة والتقدم. هو يبذل الجهد والفكر والحب، وهي تُغدق بخيرٍ منّ الله به عليها من تربة خصبة وخضرة وماء عذب وهواء نقي ومنظر خلاب ساحر ..
كلّ ذلك جعلها مطمحاً للممالك بأن تستحوذ عليها، فظلّت في حكم الآشوريين فترة من الزمان، ثم استولى عليها الرّومان، لتكون حاضرة بهيّة تركوا فيها آثارهم وحضارتهم، وأحاطوها بسور له سبعة أبواب على أسماء الكواكب فكانت شمسهم، ولم تتألق دمشق حقاً إلا بعد الفتح الإسلاميّ لبلاد الشام ، فكأنما أسبغ الإسلام عليها من حُلله الوضّاءة، فأضفى نُـوره على ملامحها الرزينة فزادها حُسناً..
وقلّدها عرش عاصمة الخلافة، فكانت لبني أميّة صرح عزّة . صرحاً شاملاً لكلّ معاني النهضة الفكرية والعمرانيّة والثّقافيّة على الإطلاق . فكانت لها المكانة الكبيرة، والقيمة الرّفيعة بين المُدن والعواصم، تلك المكانة الباقية بألقها حتى يومنا هذا .. فلم تَنل منها الحملات الصّليبيّة ولا هجمات المغول، ولا حطّم الاستعمارُ شيئاً من كرامتها، فقد قيّض الله لها من يحميها ويعيد لها سالف مجدها..
فإن نطقت لقالت في صلاح الدين الأيوبي شعراً، وإن باحت بحبٍ فلكل شهيدٍ نال شرف الشهادة على ثراها..
وهي اليوم باقية لتعلّمنا من ماضيها معاني القوة، وتدفعنا لأن نصنع من حاضرها جمالاً آخر يمتدُّ ويزدهر .
دمشق فسيفساء الجمال
لكلّ معلم في دمشق دورٌ في إبراز جمالها وخصوصيّتها، مما يجعلك مأخوذاً بسحرها أينما تجوّلت ..
بدءً من الجامع الأمويّ الذي شيّده الوليد بنُ عبد الملك .. والذي قال عندما شيّده : " إني أريد أن أبني مسجداً لم يبن من مضى قبلي, و لن يبني من يأتي بعدي مثله"
و استغرق بناء المسجد عشرُ سنوات, حتى غدا آية في الفن والجمال.
ويُقال أن وفداً من بيزنطة زار دمشق، واستأذن زيارة الجامع الأموي، فلما رأوه سقط رئيس الوفد مغشيّاً عليه، ولما أفاق سُئل عما أصابه فقال : : إننا أهل روميّة نتحدث أن بقاء العرب في هذه البلاد قليل, فلما شاهدنا هذا البنيان أيقنا بأنهم باقون فيها و لا رجعة لبيزنطة إليها بعد اليوم".
ويقول عنه ياقوت ـ في معجم البلدان ـ في مبالغة ظاهرة: لو عاش الإنسان ألف سنة، وجعل يتردد كل يوم من أيامها إلى الجامع، لكان يرى في اليوم ما لا يراه في أمسه.
الجامعُ الأموي مركزٌ هامٌّ في قلب المدينة، وقد أثّر عليها إيجابياً من الناحية الاقتصاديّة، فكان همزة وصل بين أرجائها، ولا سيما وأن له بوّابات ثلاث تصله بجهات المدينة الثلاث، وباب رابع يصله بجهة المدينة الجنوبيّة ، وهي : باب البريد ، وباب الزيادة ، وباب النوفرة ، وباب العمارة .
وله مآذن ثلاث وهي : المئذنة الشرقية وتسمى مئذنة عيسى، قاعدتها مملوكيّة والمئذنة عثمانيّة، وقد جمعت بين فنّين من فنون العمارة الإسلاميّة مرغمةً بسبب الحرائق التي لحقت بالمسجد فاستلبت منه الكثير من معالمه القديمة . ومن أجمل مآذنه : المئذنة الغربية " تسمى قايتباي" وقد شُيدت على الطراز المملوكي.
وكذلك المئذنة الشمالية وتسمى العروس شيدها الوليد بن عبد الملك و جعلها مُذهبة من أعلاها لأسفلها, و سُميت هكذا لأنها تشبه العروس لِما كانت تتلألأ بأنوار الفوانيس في المناسبات.
ويقول ابن عساكر أنه في القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي تم ثبوت خبر العثور على قبر النبي يحيى عليه السلام في هذا المكان أثناء تشييد الجامع. والقبر موجود في المسجد في يومنا الحاضر .
ولم يقتصر دورُ المسجد الأموي على كونه مسجد للعبادة في دمشق فحسب، بل كان جامعة تألقت بكوكبة كبيرة من العلماء واجتذبت حولها الكثير من طُلاب العلم من كل أنحاء العالم، أتوا قاصدين العلم من منابعه.
كلّ عمود من أعمدة المسجد يشهد لعلماء كانت حلقاتهم تلتف حوله، وكل زاوية من زواياه تكاد تتحدّث عن طلبة علم اتخذوها للدراسة والنسخ، وكانت مجالات التدريس فيه متنوعة، تشمل علوماً كثيرة، تنافس وتغلب المستوى الأكاديمي في عصرنا . وكان لقبّة النسر شأنٌ خاص، إذ أن التدريس تحتها في حرم المسجد له مرتبة لا يحظى بها أي كان، فهي خاصّة بأكابر العلماء .
وإذا ارتحل عالم إلى دمشق فلا يُقبل أحدٌ عليه ولا يسأله أحد حتى يستمعوا لدرسه في الجامع الأمويّ فيعرفون مقدرته وتمكنه من علمه عبر هذا الامتحان .
لمّا ضاق حرم الأموي وأروقته وصحنه عن استيعاب طلاب العلم، امتدت الحلقات شرقاً وغرباً، وشيّدت مدارس عديدة لتستقبل القادمين من كل أصقاع الدنيا، ومن أهم تلك المدارس : الصادرية والبلخيّة والكلاسة، وكذلك العادليّة والعزيزيّة وغيرها كثير .. كلّها كانت تتنافس في الجمال وحُسن البنيان والقيمة العلميّة التي تصدّرها، فكانت دمشق قبلة للمشتاقين للعلم، تتزاحم عليها قلوب الوافدين.. حتّى أن الأسواق قامت لتلبّي حاجة الدارسين من كتب وأوراق وحبر، فكانتت سوق الكتبيين والورّاقين والحبّاكين.
وقد أقيمت أسواق جديدة في العصر الحديث استطاعت بجدارة أن تتميّز، وأن تحصد الكثير من الشهرة والاهتمام، مثل سوق الحميديّة المؤدي إلى الأموي، والسوق الطويل والبزويّة والدقاقين، ولا ننسى التكيّة السليمانيّة والتي تعد تحفة فاخرة للبناء الإسلامي المتميّز وقد كانت مدرسة تشملُ مسجداً وسوقاً محاطاً بالحدائق والأشجار، وأحاطت بها القباب والأقواس مزخرفة بزخارف إسلاميّة رائعة الجمال، تجعل الوافد إليها مفتوناً بها، مأخوذاً بها، فكأنه يسيرُ في عصر آخر، أو عالمٍ آخر مفعم بآيات السّحر والبهاء .
وإن تحدّثنا عن الخانات في دمشق، نجد أنها قد نشأت في العصر الأموي، وتزايدت في العصور العباسية والفاطميّة، وقد كانت لها أهميّة كبيرة في استضافة الوافدين والمغادرين في موسم الحج، ومن أهم تلك الخانات : خان أسعد باشا الشهير، وخان الحرير .. ولعل ساحة المرجة في دمشق إن تحدّثت تنطق بذكرياتها العبقة، ولعلها ترسم في ذاكرتها صوراً لا تُمحى عن قوافل الحجيج وهي تودعها وتستقبلها كل عام، وتهدي نسائم العطر إلى البيت الحرام .
كما اشتهرت دمشق أيضاً بالحمامات والبيمارستانات، والقصور الفخمة، وعلى رأسها قصر العظم والذي شيده الوالي أسعد باشا فغدا آية في الإبداع والإتقان، وقسّمه إلى السلملك ( لاستقبال الزوار) و الحرملك ( قسم النساء والمعيشة ) . ولبيوت دمشق حكاية أخرى طويلة ..
فمن يلج البيت الدمشقي فكأنما زار عالماً آسراً من جمال.. في الياسمين الذي يسترخي على الأسوار، والأشجار التي تتمايل بهجة في كل مكان، وفي البركة التي تنبعث منها المياه لتبثّ أسرار الجمال، وتسقي القلوب العطشى أنشودة دمشقيّة عذبة، لا يُملّ سماعها مهما طالت بها العهود ..
ولا يجدرُ بنا أن نزور دمشق ولم نعرّج على غوطتها الخضراء الشهيرة، والتي تحتوي آثار للإنسان في العصر الحجري القديم، الغوطة التي تمتاز بخضرتها وأشجارها المثمرة، والتي تُروى من نهر بردى، كما تُروى من نبع الفيجة بمياهه العذبة النقيّة .. وقبل أن تنتهي الجولة في دمشق، لابدّ من أن نودعها ركناً ركنا، وبيتاً بيتاً، نصافح أهلها ونعدهم بلقاء عامر وداً، كما استقبلتنا وأهلها بالدفء الشامي، والأصالة العربية .. ولن يتسنّ لنا ذلك إلا على سفح قاسيون، إليه نعود وقد طاب لنا البقاء .. هناك حيث يحلو الشعر، وتنتظم الحروف بإجلال، وهي ترى هذه الدرّة تزدهر على مرّ الزمان .. وإذا بالرّوح تحلّق مع الشّعر فتُردّدُ قائلة ..
شامُ يا ذا السَّيفُ لم يَغِبِ ... يا كَلامَ المجدِ في الكُتُـبِ قبلَكِ التّاريخُ فـي ظُلمـةٍ ... بعدَكِ استولى على الشُّهُبِ لي ربيـعٌ فيـكِ خبَّأتُـهُ... مِلءَ دُنيـا قلبـيَ التّعِـبِ يومَ عَينَاها بِساطُ السَّمـا... والرِّمَاحُ السودُ في الهُدُبِ تلتوي خَصراً فأومي إلى ... نغمةِ النّـايِ ألا انتَحِبـي أنا في ظِلِّـكَ يـا هُدبَهـا ... أحسُبُ الأنجُمَ في لُعَبـي
مقالة أسرتني عن مدينتي الحبيبة.. فنقلتها لكم
توقيع : yassmina
التعديل الأخير تم بواسطة : yassmina بتاريخ 29-Aug-2008 الساعة 10:28 PM
أختي الحبيبة بسووووووووووومة أشكر لكـــِ عميق الشكر إطلالتكــــ المشرقة .. ومروركـــ الدافي.. وإن شاء الله تقدري تشوفيها وتزوريها أهلاً بيكـــِ يا أحلى بسووووووومة وأنتي تنوريها وتشرفينا يا غالية ودمشق فاتحة دراعتها بكل الحب لكل العرب دمتِ بخير وبحفظ الباري ولكـــِ مودتي وكل الحب يا قمرايا
أخي الفاضل محمد أشكر لكـــ عميق الشكر مروركـــــ الكريم والصور الجميلة التي أضفتها ..عن بعض معالم دمشق قلعتها .. والجامع الاموي.. فزادت صفحتي بهاء .. يسعدني تواجدكـــــ الطيب بصفحات مواضيعي دمت بكل الخير وحفظ الباري ولكـــ كل تقديري واحترامي
لطالما أثبت لنا التاريخ أهمية سوريا ودمشق ودائما نقرأ ونسمع ونشاهد أبداع دمشق في مختلف المجلات الثقافيه والسياسيه والاجتماعيه وليس من الغريب ان تكون دمشق رائعه كمان نشاهد في صورها ولكن الغريب ان يجتمع في دمشق اخلاق و ابداع وصدق واخلاص في شخصية واحده كتلك التي صنعت من دمشق تحفة فنية وصنعت من نفسها امراه رائعه في الجمال طالما هناك دمشق الرائعه لابد ان يرتبط بتلك الياسيمنا الاروع بارك الله فيكي وفي اهل دمشق الغاليه
غاليتي رشا
لا تعلمين كم مرة حاولت الرد على همساتك الغالية .. وفي كل مرة تنسكب دمعة فرح وكثير من المشاعر تحتل قلبي وأغادرها بصمت .. أما قلت لكــِ فيما مضى .. أن للصمت أحيانا ضجيج يفوق صدى الحروف ..
ولكنني سأفارق صمتي الآن لأبوح لكِ أختي الغالية أن حروفك أفرحتني حد البكاء.. ولا أخفيكـِ أن بعض الدموع ترافقني وأنا أهمس لكـِ بحروفي هذه.. فكم أسعدني مرورك الغالي .. والرائع هو أنتي حبيبتي بجمال قلبكـــ.. وحضورك المشرق كأشراقة روحكــ.. ورقيق كالنسمات.. وعطر كما الياسمين .. ولكـِ عميق الامتنان لتعليقك المميز والغالي عن الشام ورأيك بي الذي أفخر وأعتز به وله الاثر الكبير في قلبي ولكنه إطراءك أكبر مني غاليتي فأنا مجرد ياسمينا من الشام
ولست بكاتبة هذه الحروف عن مدينتي الحبيبة لكنها أعجبتني ونالت من قلبي الأثر الكبير فتقلتها هنا وكم يستوطن حبها في قلبي فينبض عشقاً لها ويتغنى شوقاً ان غادرتها يوماً.. فقد ترعرعت في أحضانها .. في ظل ياسمينها .. وكنف حنانها أدام الله الأمان والسكينة على أهلها وعلى أهل السعودية ومصر الغاليتين وجميع بلادنا العربية وأهلها وبارك فيهم جميعا .. اللهم آمين
حبيبتي مجددا أفرحني حضوركـــــ وحرفكــــ حد البكاء فابقي بالقرب لا حرمت من عطر تواجدكـــِ .. دمتِ بخير وحفظ الله .. ولكــــِ محبتي وأهديكــــِ طاقة من زهرات الياسمين البيضاء كنقاء قلبكـــِ صديقتي الغالية
توقيع : yassmina
التعديل الأخير تم بواسطة : yassmina بتاريخ 21-Oct-2008 الساعة 09:04 PM