لدى نهلة معلّمة التحفيظ الأولى في مسجد الحيّ جاذبيّة خاصّة ..
سرّها ابتسامة دافئة ، تسقي بها الرياحين الصغيرة التي تأتي في كلِّ يومٍ لتحفَظَ القرآن الكريم
في الأسبوع الأوّل للعطلة الصيفيّة من كلِّ عامٍ ..
تستقبلُ نهلة الفتيات بحفاوة وحبٍّ عظيمين ، تتأمل عيونهنّ الصغيرة بفرحٍ غامرٍ
وتتمنى لو تسكب في قلوبهنّ الصغيرة آيات الله الكريمات ..
فتنطبع على أخلاقهنّ فتنشأن أمهات رائدات ..
ومعلّماتٍ قائدات ..
..
..
وسط زحام الفتيات في المسجد ..
لم تتنبه نهلة لتلك النسمة الربيعيّة التي اقتربت منها بصمت ، ترتدي زيّ فتاة في العاشرة ..
اقتربت من معلّمتها تحملُ مصحفاً صغيراً وقالت لها :
اقرئي عليّ هذا المقطع من سورة الرّحمن ..
نظرت لها نهلة ..
فلفتها إشراقٌ في الوجه ، وذكاء متقدٌ في العينين ، ملامح شرقيّة غريبة ، وبشرة سمراء دافئة
تبسمت لها .. وكعادتها باشرت القراءة بإتقان وخشوع حتى أنهت المقطع ..
ثم أعطت المصحف للفتاة وقالت لها :
دورك يا عزيزتي
احتلت الحيرة ملامح الوجه الصغير المشرق وقالت بحزن :
لا أجيد القراءة !
- لماذا ؟ أولستِ في العاشرة ؟ في الصفّ السادس إذن !
لمَ لا تستطيعين القراءة يا حبيبتي ؟ هل تشتكين من ضعف نظرٍ ؟
هل أنتِ متعبة ؟
- لا أنا بخير .. لكنني لا أعرف العربيّة !
أدرس في الغرب ، في مدرسة غربيّة ، غريبةٌ أنا هناك .. لا أحد يتكلّم مثلي ، لا أحد يعلّمني هذه اللغة ..
أزورُ وطني في كلّ إجازة صيفية ، ثم أعود أدراجي ..
أنسى كلّ ما تلقّنته من قرآن ، أشتاق سماعه ، وسماع الأذان ، فأجد لساني ينقلبُ عليّ فأتكلم بلغاتهم ، وفي داخليّ نداء يقول :
أنا عربيّة !
..
..
دمعت عينا نهلة وهي تراقبُ هذا القلب العجيب ...
نادتها بحبٍّ ، قالت لها اقتربي منّي ، عانقتها وقالت لها تعالِ معي ..
أهدتها أشرطة قرآنيّة ، ومصحفاً كبيراً ..
قالت لها :
أتعلمين عزيزتي .. كلّما غدر بكِ اللسان فتحدّث بلغاتٍ أعجميّة ، وكلّما احتلّك شعورُ غربة ، فشعرتِ أنّك عاجزة ، أو ضعيفة ..
أمسكي كتابَ الله وحاولي تعلّمه ، واستمعي إليه يردد بخشوع داخل قلبكِ ..
قفي مصليّة بين يديّ الله ..
ورددي من آياته ما تعلمته ههنا ، ستجدين الحروف النورانيّة تنقش داخلكِ .. ولن تنسيها ما حييتِ ...
..
..
نظرت نهلة إلى الصغيراتِ حولها ، فوجدتهنّ يراقبنها بدهشة ..
وقفت وقالت :
أيا رياحين القلب ..
هذه صديقتكم المهاجرة إلى أرض الغربة ، أتت تبحث عن نورٍ يسكن قلبها ، فأعينوها وعلّموها ما علمتكنّ ..
كونوا لها رفيقات خيرٍ ، فستكون هي سفيرة الإسلام إلى بلاد الغربةِ ..
مهما ابتعدت ..
لن أخشى عليها ، وحصنها الإيمان ، وفي قلبها يحيا القرآن ..
عادت نهلة إلى مصحفها ، فقد وثقت بأنها قد أنجزت مهمة اليوم على أكمل وجه ..
تاركة المهمّة للصغيرات يساعدنها في نسج خيوط الأملِ داخلَ القلب المؤمن الكبير ..